النووي

391

المجموع

وإنما صحت البراءة على الانكار لأنها ليست بمعاوضه ، والذي جعل المالكية والحنفية والحنابلة يجيزون الصلح مع الانكار . ولا يفرقون بين الابراء والشرط قاعدتهم في أن الصلح يبيح لكل واحد منهما ما كان محرما عليه قبله ، كالصلح بمعنى الهبة ، فإنه يحل للموهوب له ما كان حراما عليه ، والاسقاط يحل له ترك أداء ما كان واجبا عليه ، وقالوا : ان هذا لا يدخل في حديث " الا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا " لان الصلح الفاسد لا يحل الحرام وإنما معناه ما يتوصل به إلى تناول المحرم مع بقائه على تحريمه ، كما لو صالحه على استرقاق حر ، أو احلال بضع محرم ، أو صالحه بخمر أو خنزير ، وليس ما نحن فيه كذلك . قلت : فان ادعى عليه ألفا في ذمته فأنكره عنها ثم صالحه على بعضها وقبض ذلك وأبرأه عن الحق الذي عليه . قال الشافعي رضي الله عنه : فالصلح باطل والابراء لا يلزم ، فأما الصلح فيبطل لأنه صلح على إنكار وعلى المصالح رد ما أخذه ، وأما البراءة فلا تلزمه لأنه إنما أبرأه براءة قبض ، واستيفاء وهو أن يسلم له ما أحذه ، فإذا لم يسلم له ذلك لم تلزمه البراءة . هذا إذا لم يعلم المدعى بفساد الصلح ، وأما إذا علم بفساد الصلح فأبرأ صحت براءته وهذا كما تقول في رجل اشترى عبدا شراء فاسدا . فقال البائع للمشترى أعتق هذا العبد ، ولم يعلم البائع بفساد البيع فأعتقه - قال الشيخ أبو حامد : لم يصح العتق ، لان البائع لم يأمره باعتاقه عن نفسه ، وإنما أمره أن يعتقه يظن أنه قد ملكه بالشراء ، وان علم البائع بفساد البيع فأمر المشترى باعتاقه فأعتقه صح العتق ، وان عليه ألفا في ذمته فأقر له بها فصالحه عنها صلح حطيطة ، وأبرأه على خمسمائة فان قبض منها خمسمائة ، وأبرأه عن الباقي ثم خرجت الخمسمائة التي قبض مستحقة - قال الشيخ أبو حامد : فإنه يرجع عليه بخمسمائة التي أخذها والابراء صحيح ، لأنه لم يبرئه ليسلم له ما قبض بل أبرأه عن حق هو مقر له به والابراء صادف حقه المقر به فنفذ ذلك وليس يتعلق بسلامة ما قبضه وعدم سلامته ( فرع ) وإذا ادعى عينا فصالحه منها على عوض ثم اختلفا فقال المدعى : إنما صالحت منها على الانكار فالصلح باطل ، ولى الرجوع إلى أصل الخصومة .